نساء “الهلالية”.. يتحدين البطالة ببعضٍ من حبات الخرز

 

فتياتٌ في ريعان شبابهن رفضن المكوث داخل بيوتهن وخرجن لاختبار حظوظهن في الحياة العملية بعدما أخفقن في متابعة تعليمهن. حرفة (شك الخرز) كانت العمل المناسب لنساء وبنات حي “الهلالية” بمدينة “القامشلي” ليودعن عزلتهن ويشعرن بما تبقى من إحساسٍ لديهن كأفرادٍ منتجات ضمن المجتمع الذكوري.

عملٌ لا يتطلب سوى قليلٍ من الانتباه وسرعة في الأداء ليحصلن في نهاية الأسبوع على بعضٍ من الليرات قد تساعدهن على تأمين احتياجاتهن الشخصية. مشغل “نورا” يحتضن تلك الفتيات منذ أكثر من سنتين شعرْنَ خلاله بمتعة الحياة من جديد بعدما خبأت جدران هذا المكان قصصهن وحكاياتهن التي بُحْنَ بها لقطع القماش وحبات الخرز التي بين أيديهن..زرنا المشغل وتعرفنا على بعض تلك الحكايا لنقلب بعدها صفحات الرواية من خلال كشف هذه الخفايا.

“انا عبد الرزاق” فتاةٌ تبلغ الخامسة عشرة من عمرها تنتمي لعائلة مؤلفة من تسعة أشخاص؛ تركت المدرسة قبل الحصول على شهادة التعليم الأساسي؛ تقول: «جئتُ إلى هذا المكان لأملأ شيئاً من الفراغ في حياتي وأحصل على بعض المال لمساعدة أهلي في مصروف البيت؛ أنا سعيدة هنا مع الفتيات الأخريات ولا مانع من تعلم هذه المهنة التي ربما تفيدني في المستقبل».

“نسرين علي” نالت الشهادة الإعدادية ثم تركت المدرسة؛ وهي متفائلة بهذا العمل الجديد وتعتبره وسيلة لكسب المال: «منذ حوالي سنة وأنا أعمل في مشغل (شك الخرز) وهي فرصة للتعرف على فتياتٍ أُخريات بعدما كنت مُنعزلة عن الناس داخل المنزل دون أن يكون لحياتي أي معنى».


شَكْ الخرز عن طريق النّول

أما “نور أحمد” التي تبلغ الثامنة عشرة من العمر فحكايتها مغايرة تماماً لباقي القصص التي سمعناها؛ هذه الفتاة لم تدخل المدرسة أبداً لذلك فأناملها لا تعرف حمل القلم أو الدفتر وتُعبّر عن ذلك بالقول: «أشعر بحزنٍ شديد عندما أرى الطالبات من عمري وهنَّ يحملن الكتب المدرسية، فالأمر لم يكن بيدي لأن ظروف والدي المادية لم تسمح له بتدريس جميع أفراد الأسرة وكنتُ أنا الضحية. منذ حوالي ثلاثة أشهرٍ فقط انضممتُ إلى هذه المجموعة من البنات لأشعر بشيءٍ من ذاتي وشخصيتي حتى أكون إنسانة مُنتجة، فعلى الرغم من بساطة هذا العمل إلا أنه حقق لنا بعضاً من أحلامنا المُجهضة».

“لينا عثمان” هي الأخرى لم تستطع إكمال تعليمها لأنها مكتومة القيد ولا تحمل الجنسية السورية أو حتى وثيقة خاصة بأجانب منطقة الجزيرة، تعيش وسط عائلةٍ مؤلفةٍ من أربعة عشر فرداً واضطرت مؤخراً للعمل حتى تكسب بعض المال لتساهم مع أفراد أسرتها في تأمين مصروف البيت؛ تقول: «بدأتُ العمل منذ عدة أشهر وهو يناسب الفتيات من عمري، استطيع القول بأنه يلبي حاجتي من المصروف اليومي، فبعد ضياع فرصة إكمال الدراسة أحاول الآن تحقيق نجاح من نوع آخر يمنحني الثقة بالنفس وإثبات الذات».


“نورا محمود” صاحبة المشغل

وأما “سيما محمود” فهي خريجة معهد آلات زراعية منذ أكثر من ثلاث سنوات وإلى هذه اللحظة لم تحصل على وظيفة في القطاع العام ولا حتى الخاص، وبعدما ملّت الانتظار بدأت تداعب بأصابعها حبات الخرز علّها تكون بديلةً من شهادتها المحبوسة داخل خزانتها «ليس بالضرورة أن يكون مستقبل جميع الناس مرتبطاً بالدراسة أو الشهادة العلمية؛ فحتى المهن والحِرف الأخرى تُحقق المستقبل للمرء إذا كان ناجحاً فيها، فأنا اقتنعت بأنه عليّ البحث عن عملٍ أكسب من ورائه مالاً وأشعر بأنني إنسانة مُنتجة وأحس بطعم الحياة بعدما سئمت المكوث في البيت عاطلة عن العمل».

من هذا المشغل الصغير كانت البداية لإنجاز مشروعٍ متواضع يجمع فتيات من أعمار متقاربة وظروفٍ حياتية مشابهة؛ تقول “نورا محمود” صاحبة المشغل: «حاولتُ الاستعانة بعددٍ من الفتيات لتعليمهن هذه الحرفة بدلاً من بقائهن داخل البيوت من دون عمل وليشعرن بشيءٍ من الاعتماد على النفس؛ وبالفعل عند افتتاح المشغل بدأن بالتدفق من أجل العمل لأن معظمهن من أُسرٍ ميسورة الحال، يعتمد عملنا على التعامل مع الخرز من أجل تطريزها وفق رسومات ونقوش مُصممة على فساتين السهرة وبدلات العروس، ثم بيعها لتجار الجملة لقاء مبلغ متفق عليه مسبقاً، وقد أفسح هذا العمل فرصةً حقيقية لهن للتعرف على صديقات جدد وبات مكاناً حميماً على أنفسهن. فمعظمهن بدأن بمساعدة آبائهن وأخواتهن في مصاريف البيت».

فريد موسى

 

حول الكاتب

KurdTalk

 

أوسمة

مقالات مشابهة

  • لايوجد مقالات مشابهة
 
 

1 تعليقات

  1. يقول محمد:

    ان نبي الله داود عليه السلام مع ما كان معه من مال وجاه كان يعمل حدادا

 
 

ماذا عن وجهة نظرك - بإمكانك المشاركة برأيك حول الموضوع


نحن نقدّر التعليق الذي تأخذه من وقتك لتكتبه الآن، فهو لا يساوي تعليقًا مجردًا، بل رأيًا نعتز به ونحترمه مهما كان مغايرًا، ومن المفترض أن تحترم أنت أيضًا الرّأي الآخر، وتلتزم النقد البنّاء الخالي من الشّخصنة أو الافتراء.