الشعب الكردي السوري.. أيضا ودوما!

 

من مظاهرات القامشلي – الثورة السورية

الكرد السوريون، هم شعب، بكل المعايير والمقاييس التي يعتمدها علم الاجتماع السياسي

تثبت المعارضة السورية، يوما بعد آخر، أنها تحمل الكثير من ملامح النظام السوري الأسدي، لجهة القصور والعجز الكبير عن تبني الخيار الوطني والديمقراطي الحقيقي والجدي، أثناء تناول الاعتراف بحقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا السورية وصونها وتضمينها دستوريا.. فحين يكون هنالك مجموعة قومية بشرية، مختلفة، تقدر بنحو ثلاثة ملايين، وذات جذر وحضور تاريخي وثقافي، ولغوي معين، وتعيش على جغرافيا معينة منذ آلاف السنين، وذنبها الوحيد أن الله تعالى خلقها، على هذا النحو المختلف، وأن جغرافيتها تعرضت للتقسيم الاستعماري، مطلع القرن العشرين، هل كثير جدا أن نطلق على هذه المجموعة البشرية وصف الشعب؟! فالكرد السوريون، هم شعب، بكل المعايير والمقاييس التي يعتمدها علم الاجتماع السياسي. وبالتالي، وصف القومية، ليس منّة أو منحة أو هبة، من أحد، تطلق على الكرد السوريين، وكذا وصفهم بالشعب، لأن ذلك هو استحقاق حضاري وتاريخي واجتماعي وثقافي وإثني، يمليه الوعي الوطني والديمقراطي، التزاما بحقائق التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والإنثربولوجيا. وخلاف ذلك، ينم عن عصبية قومية، إن لم نقل عنصرية، ترتدي لبوس الوطنية والمواطنة، نراه، بين الحين والآخر، معلنا من قبل بعض المعارضين السوريين، أو بعض قوى المعارضة السورية، بحجة أن البت في هذه البديهية (الشعب الكردي السوري)، ينبغي تأجيله إلى ما بعد إسقاط نظام الأسد!

كرد سوريا، كانوا قد رفضوا مبدأ التقسيم والحصول على دويلة خاصة بهم، إبان الاحتلال الفرنسي

حجج ومبررات التعنت العربي السوري بعدم الاعتراف بوجود الشعب الكردي في سوريا، تتمحور حول إثارة المخاوف من أن الاعتراف بوجود الشعب الكردي، سيؤدي بالكرد إلى الانفصال عن سوريا. وهذه الحجة، كان وما زال نظام الأسد يروجها. وكذا النظام التركي أيضا، ينحو هذا المنحى، مصرا على عدم الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي (20 مليونا) في تركيا! وكثيرا ما كانت الأنظمة التي تقتسم كردستان، ومعارضاتها، متفقة في الموقف من الكرد، خصوصا في سوريا وتركيا.
تفاءل الكرد السوريون، وتوسموا خيرا، بتسلم الدكتور عبد الباسط سيدا، رئاسة المجلس الوطني السوري، واعتبروا ذلك خطوة في اتجاه تطمين المخاوف الكردية، لكن يبدو أنه ما زال مبكرا جدا القول إن المعارضة السورية، قد قطعت مع ذهنية النظام السوري الاستبدادية.
وتجب الإشارة هنا، إلى أن النظام العراقي، منذ سنة 1958، وحتى نظام صدام حسين، كان قد اعترف بوجود الشعب الكردي، كما أقر النظام العراقي الحكم الذاتي للكرد منذ سنة 1970، فهل دفع ذلك كرد العراق للانفصال، على الرغم من أن الظروف الدولية والإقليمية سنحت لذلك، وبخاصة في الآونة الأخيرة؟! النظام الإيراني، هو أيضا يعترف بوجود الشعب الكردي دستوريا، وهنالك إقليم في إيران باسم كردستان، هل دفع ذلك كرد إيران للانفصال؟! والحال هذه، هل النظامان الإيراني الحالي والعراقي السابق، أكثر ديمقراطية ووطنية من المعارضة العربية السورية حيال تعاطيها مع قضية ومطالب الكرد السوريين؟!

من مظاهرات القامشلي – الثورة السورية

كرد سوريا، كانوا قد رفضوا مبدأ التقسيم والحصول على دويلة خاصة بهم، إبان الاحتلال الفرنسي، في وقت وافقت فيه دمشق والسويداء واللاذقية وحلب، على التقسيم وتشكيل دويلات في سوريا! كما أن قائد ثورة الشمال السوري، إبراهيم هنانو (الكردي)، رفض العرض الفرنسي بالتوقف عن محاربة الفرنسيين، على أنه كردي وليس عربيا. وسبق هنانو إلى هذا الموقف الوطني السوري الشجاع، مؤسس الجيش السوري يوسف العظمة (الكردي)، حين رفض الاستسلام والإذعان لإنذار الجنرال غورو، وقاتل الجيش الفرنسي واستشهد على بطاح ميسلون مطلع العشرينات من القرن المنصرم، بينما البرلمان السوري وافق على الاستسلام للجيش الفرنسي. بمعنى أن كل المعطيات التاريخية، القريبة والبعيدة، تؤكد مدى النزوع الوطني، لدى أبناء الشعب الكردي السوري، فلم كل هذا التشكيك والتهويل؟! زد على ذلك أن كل برامج الأحزاب الكردية السورية، تؤكد دوما على الوطنية السورية والإصرار على البعد الوطني السوري لهذه الأحزاب، ولا تطالب بالانفصال.

ثمة ازدواجية في المعايير عند المعارضة العربية السورية حيال حقوق الكرد

وعليه، فلا أساس للمخاوف التي يسوقها بعض المعارضين العرب، عبر التهويل والتضخيم من الاستجابة للحقوق الوطنية والديمقراطية للشعب الكردي، وفي مقدمتها الاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكردي وتضمين حقوقه السياسية والثقافية.
وبالتالي، فما حصل في مؤتمر القاهرة، من رفض المعارضة العربية إدراج فقرة الاعتراف بالشعب الكردي في سوريا، ضمن وثيقة «العهد الوطني» التي تم الاتفاق عليها، هو أحد الدلائل الدامغة، على مدى القصور والعجز عن الالتزام بالسلوك والوعي الوطني الديمقراطي، بالإضافة إلى القفز على الحقائق الوطنية، والتاريخية والاجتماعية، واستحقاقاتها الدستورية.
ما هو مفروغ منه أن الشعب السوري واحد، لكن صحيح أيضا أنه يتألف من شعوب عدة، شأنه شأن الشعب الهندي أو السويسري أو البلجيكي أو الأميركي..! وإذا كان دستور بلجيكا يعترف بوجود الشعب الفلاماني أو الوالوني أو الألماني أو الروماني، والدستور السويسري يعترف بوجود عدة شعوب، يتألف منها الشعب السويسري، فهذا يعني أن ذلك سيدفع هذه الشعوب للانفصال عن بعضها البعض، وتفتيت أوطانها، بحسب موقف المعارضة السورية من الاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكردي السوري!
وفق القوانين والعهود الدولية، فإن الشعب الكردي في سوريا، يستحق الحكم الذاتي، أو شكلا من أشكال الإدارة الذاتية، المنسجمة مع خصوصيتهم القومية.. إلا أن المعارضين العرب، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، يرفضون ذلك، ودوما بحجة أن ذلك سيدفع الكرد إلى الانفصال. وهذه الحجة الهشة، تنطوي على نزوع قومي، بلبوس وطني، لكن حين تطرح عليهم فكرة: هل تدعمون حق عرب الأحواز الإيرانيين في الحكم الذاتي؟ يردون بالإيجاب، بل يقولون إنهم يستحقون الانفصال عن إيران!
وعليه، فثمة ازدواجية في المعايير عند المعارضة العربية السورية حيال حقوق الكرد، تتماهى، بشكل أو بآخر، مع ما لدى النظام السوري، مما يلقي المزيد من الظنون والشكوك على واقع الأقليات في سوريا ما بعد الأسد. ولا يفهم من هذا الكلام أن النظام السوري، أفضل من المعارضة.. قطعا لا، بل يجب إسقاطه «اليوم اليوم وليس غدا». لكن مواقف وسلوكيات المعارضة السورية تستحق، هي أيضا، الكثير والكثير من الانتقادات.

ذلك أن الثورة السورية، وما تطرحه من وعود ومشاريع طموحة لسوريا الغد، هذه المرحلة الانتقالية الثورية، هي بمثابة المحك والامتحان، أو فترة اختبار للنيات والشعارات. ومن المؤسف القول: حتى الآن، كفة النيات القومية المبيتة عند المعارضة العربية السورية، تغلب كفة الشعارات الوطنية، وكل الكلام الغزير والبراق عن الدولة المدنية الديمقراطية!

 
 
 

لا تعليقات حتى الآن

كن أول شخص يعلق ع المقالة و شاركنا وجهة نظرك.

 
 

ماذا عن وجهة نظرك - بإمكانك المشاركة برأيك حول الموضوع


نحن نقدّر التعليق الذي تأخذه من وقتك لتكتبه الآن، فهو لا يساوي تعليقًا مجردًا، بل رأيًا نعتز به ونحترمه مهما كان مغايرًا، ومن المفترض أن تحترم أنت أيضًا الرّأي الآخر، وتلتزم النقد البنّاء الخالي من الشّخصنة أو الافتراء.